هذه قصة خيال علمي أرسلها لي القارئ "أدهم إسماعيل" (٢٢ سنة). وأحداثها التي تدور في المستقبل تثير بلا شك التأمل.
...................
نسمات الهواء الباردة تتسل إلى أوصالي الضعيفة فتوقظني. ما زالت الخامسة فجرا. اتحرك بكرسي المقعدين إلى الشرفة. أعانق النسمات البتول. أصلي الفجر. أغفو ثم أفيق. وهكذا.
دقت السابعة. استيقظ أحفاد أحفاد أحفادي. تلك النظرات الكارهة وكأنها تتساءل أما زلت هنا! لماذا لم تزل هنا؟
.................
اذكر كل شيء كما حدث منذ مائتي وثلاثين عاما. كنت قد أتممت العاشرة. وقتها ناداني أبي بصوت صارم:" هيا بنا هذا يوم المحرقة".
ساحة كبيرة. يتوسطها رجال طاعنون في السن. جدي الأكبر واحد منهم. يبدأ العد التنازلي. يصوب أفراد الشرطة أسلحة النيران صوبهم. تخبو النيران بعد أن حولت أجسادهم إلى رماد. ينصرف الحاضرون في هدوء. وقتها لم أفهم هذا كله. لم أدر وقتها لماذا يقيمون المحرقة؟ والأهم لماذا نقبل بكل هذا الهدوء حرق أقرب الناس إلينا..
تاريخ قديم. الحكاية كما عرفتها بدأت عام ٢٠٥٠. عندما اكتشف العلماء مصل الخلود. يُعطى هذا المصل للوليد مرة واحدة. ثم تتوارثه الاجيال القادمة عن طريق الجينات الوراثية. فنعيش أكثر من ألف عام.
كان هذا اكتشافا مذهلا بالنسبة لي. تساءلت في ذهول:" هل يعني ذلك أننا لسنا أبديين بطبعنا؟". ردوا في سخط:" بالطبع! كانوا يموتون حتف أنفهم لولا ذلك المصل اللعين الذي غير جيناتنا إلى الأبد".
هذه هي بقية القصة: اكتشفوا بعد حين أضرار هذا المصل. عندما زادت أعداد السكان زيادة مروعة. وبدأ الكل يقتل الكل كي يعيش. لم تكف موارد الأرض لكل هذا العدد من البشرية.
لذلك كانت المحرقة!
....................
المحرقة. النار البرتقالية المتراقصة. النار التي تطهر الأرض من شطط الإنسان. بدأتها دول شرق أسيا. صاروا يحرقون كل من أكمل المئتين حفاظا على نسبة السكان. وقد أعجب العالم بالفكرة. وبدأوا يسنوها كقوانين منظمة.. بطقوس معينة.. مثل اجتماع العجائز المتمين المئتين في ميدان عام كل بداية سنة جديدة.. واحراقهم أمام أهليهم.. كي يطمئنوا على رحيلهم ويعلموا أنه مصيرهم القادم.
هكذا فهمت أصل الحكاية. ما لم يخبروني به هو ذلك الشيء الرهيب المرعب. المصل اللعين يؤخر الموت فقط، ولكن لا يؤخر الشيخوخة. صرت عجوزا في السبعين. هل تفهم الكارثة؟ كان أمامي مائة وثلاثون عاما أخرى!
.................
سنوات طوال مضت منذ بدأت شيخوختي في الظهور. أمراض كثيرة استباحت جسدي. لكن هذا المصل اللعين يمنعني من الموت الطبيعي.
صرت في المائة والسبعين من عمري حينما حان دور أبي في المحرقة. أبي قد أتم المئتين. وأمي أصرت أن تُحرق معه. أردت الرحيل معهما ولكنني خفت. لا أدري لم؟
أتى يومي الموعود. تجهز الكل لرحيلي. لكني رفضت. رفضي كان بائنا في عيوني.. لم أرفض حبا في الدنيا. ولكن أملا أن يمنحني ربي ميتة من عنده يستلب فيها روحي بلطف. لا أريد أن أُحرق أمام العامة.
ولا أدري حتى الآن لماذا تركوني!
.................
أفقت من غفوتي على صوت يقول: "هلا حضرتموه! ستبدأ المحرقة بعد قليل".
قال حفيدي بعصبية:" متى سننتهي من هذه الخردة.. لقد تأخر موته أربعين عاما".
............
وصلنا الى الميدان. الأمطار تهطل بغزارة. والكل ينتظر وقت الحسم. لكن أعلن الميكروفون: "نظرا للظروف الجوية غير الملائمة تأجلت المحرقة لهذا العام".
تفرق الحشد. تركني أحفادي وانصرفوا. بقيت وحدي في الساحة الخالية مبتهلا وشرعت ابتهل لربي أن يتوفاني.